مركز الثقافة والمعارف القرآنية
436
علوم القرآن عند المفسرين
لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل . وكتاب اللّه لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد ، ونحن تبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق ، وجودة القريحة ، وميز الكلام . ألا ترى ميز الجارية نفس الأعشى ، وميز الفرزدق نفس جرير من نفس ذي الرّمة ، ونظر الأعرابي في قوله : عزّ فحكم فقطع « 1 » . إلى كثير من الأمثلة اكتفيت بالإشارة إليها اختصارا . فصورة قيام الحجة بالقرآن على العرب : أنه لما جاء محمد عليه السّلام به وقال : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ « 2 » قال كل فصيح في نفسه : وما بال هذا الكلام حتى لا آتى بمثله ؟ فلما تأمله وتدبره ميز منه ما ميز الوليد بن المغيرة حين قال : واللّه ما هو بالشعر ، ولا هو بالكهانة ولا بالجنون . وعرف كل فصيح بينه وبين نفسه أنه لا قدرة لبشر على مثله ، فصحّ عنده أنه من عند اللّه . فمنهم من آمن وأذعن ومنهم من حسد كأبى جهل وغيره ، ففرّ إلى القتال ورضى بسفك الدم عجزا عن المعارضة حتى أظهر اللّه دينه ودخل جميعهم فيه ، ولم يمت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفي الأرض قليل من العرب يعلن كفره « 3 » . قال ابن تيمية : والقرآن نفسه هو قول اللّه ، وفيه شهادة اللّه بما أخبر به الرسول ، وإنزاله على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإتيان محمد به هو آية وبرهان ، وذلك من فعل اللّه ، إذ كان البشر لا يقدرون على مثله ، ولا يقدر عليه أحد من الأنبياء ، ولا الأولياء ولا السحرة ولا غيرهم ، كما قال تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 4 » ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم أخبر بهذا في أول أمره ، إذ كانت هذه الآية في سورة « سبحان » وهي مكية ، صدرها بذكر الإسراء الذي كان بمكة باتفاق الناس . وقد أخبر خبرا وأكده بالقسم عن جميع الثقلين ، إنسهم وجنهم ، أنهم إذا اجتمعوا على
--> ( 1 ) سمع أعرابي قارئا يقرأ : فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من اللّه واللّه غفور رحيم ، فقال : ما هذا ؟ فقيل له : قرآن ، فقال : ما هذا بقرآن فتنبه القارئ ، فقال : « واللّه عزيز حكيم » . فقال الأعرابي : عزّ فحكم فقطع . انظر مقدمتان في علوم القرآن 279 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 23 . ( 3 ) المحرر الوجيز ج 1 ص 71 - 73 . ( 4 ) سورة الإسراء : الآية 88 .